من مخاطر الكتابة و من أساليب التفادي

من مخاطر الكتابة الإنجراف مع مواضيع الكتابة. لأن الكتابة الجيدة تتطلب مشاركة تامة من الكاتب مع مواضيعه. فلو الكاتب مش متحمس، كيف يقنع قرّاؤه؟ المشكلة تبدأ لما الكاتب يغرق في كتابته و ينسى مواعيده و يلخبط ساعات نومه. في حينها، تتزحزح مرتكزاته الروتينية و مراسيه مع الواقعية و يبدأ بالإنجراف في سيول ذهنية.

كنت بكتب عن إيلْريادو -

...إيلْريادو كانت مدينة مبنية على جبل من ذهب. من كثر الذهب اللي فيها، بدلا من الطوب و الحديد، المباني و الشوارع و الجسور اللي فيها كانت مبنية من مشتقات الذهب المسلح. كل شيء كان أصفر-ذهبي لامع، لدرجة أنهم في ساعات المغيب و الشروق تجنبوا الخروج بسبب خطر العمى-المؤقت من انعكاس ضوء الشمس المائل على الشوارع و المباني الذهبية.

بس المدينة هذه، لأجل الحفاظ على استقرارها الاقتصادي، منعت نصف سكانها من التماس الذهب العام. النصف ذاه كانوا في البداية معاقبين بالحرمان عن الذهب لأنهم أسرفوا في استهلاك و ارتداء و تكديس الذهب في مخازنهم الخاصة؛ مما أدى إلى أزمة اقتصادية مزمنة في إيلْريادو. و اضطر قيصر إيلْريادو بمنع ذلك الصنف الطامع لللامع من الشعب بأكمله، عندما نطق لعنته عليهن أجمع: "و إله القيصر و إيلْريادو، لو مشت الأميرة بنت القيصر على غبر من ذهب، لقطعت رجلها..."

اكتئبت من الحكاية لما خلصت من أول مسودة. كل عناصر الرواية الجيدة احتوتني بقدر ما استهلكت منها: تمرد و مخاوف و كراهية و يأس. و حاولت أخفف عن آثاره بالإشتكاء لشاعر. بس ما راح الكآبة. و بالعكس، كأّبت الشاعرمعايا. (و الشعراء مو ناقصهم مِلنخوليا.)

بس الكون لما يبغى منك حاجة، حيفتح لك شبابيك فرص و إقناع و تصبير إلين ما تخلص مطالبه منك، حتى لو أنزل لك دابة طائرة و رفعك لآخر السماء. (و بالعكس، لو الكون لسا مش راضي، حتى لو شلت الأرض على كتفيك و رجّيته لإسقاط ما تريده، ما كنت لقيته.)

و تعرف كيف يقولوا لك "نم عليها" بالانجليزي؟ لو الليل سحره استبصاري، فالصباح سحره عطائي. ففي صباح اليوم التالي، بينما كنت أتجهز لمسح الرواية التي كادت تقتلني من الاكتئاب و الإيثار الزائد نحو الأوهام (أي بدايات الجنون)، طلب مني أحد أصدقائي في تويتر لقراءة مسبب لمَيْـلي الانتحاري. عفوا، أقصد لجهدي الروائي.

اكتشفت منه الدواء لأدواء الكتابة: الحضور. المشاركة. الحضور. تعليق القارئ. الحضور. أيوا. يكفي الحضور. يكفي أن من أول ما سمحت له بالقراءة، تنازلت عن شيء من احتكاري العاطفي نحو المنتج الإبداعي. كسر حضوره كمشارك لمآسي سكان إيلْريادو حواجز العزلة الإبداعية اللي حصرتني في أوحش ركن في دماغي. (لأن الكتابة عملية نبش في المجهول، و جنون خدم الإبداع تبدأ من لما ما يعرف طريق العودة للمعلوم.)

ذهلت. ذهلت من بساطة الحلّ. ذهلت من صدفة حدس قارئي. ذهلت من إصرار الكون عليا - لدرجة أنه أرسل لي ما يواسيني – ربما لتتمة المشوار الطويل اللي اسمه "المراجعة".

و آخر شيء، ذهلت من سيدي تايمكيپر. أنو بعد ما حكيت له ما حدث بيني و بين الرواية و قارئها الأولاني؛ سمّع لي بيت شعر بالعربي:

وهذا كتابي نائب عن زيارتي *** كما في عدم الماء التيمم جائـــــز

أُتئ

أُتئ كانت تقرب لنا من هنا أو هناك. و الحكاية هذه صارت من زمان-من زمان، بس لساعو عم بيأثر في قراراتنا اليومية حول الأشياء الصغيرة و الكبيرة و البين-و-بين.

كان رمضان و العيد قرّب و أٌتِئ كانت في تسعيناتها و مستولية تماما على المطبخ. أولادها قالوا لها ترتاح بس ردّت عليهم أنو الضيوف جايين و لازم تلحّق عليهم. فقعدت أٌتِئ تطبخ و تطبخ و تطبخ...و ما ريّحت إلين ما خلّصت. و لما خلّصت، اتوضّأت، صلّت و أخذت قيلولة و ما حترجع تصحى ثاني إلى يوم البعث.

أمي، الله يخليها، تحكي لنا الحكاية هذي كلما تمرض و ترفض تتحاشى الطب الغربي – رغم طراطيعنا المرعوبين. تقول أنها تبغى ترجع لله مثلما رجعت له أُتئ: أنها اشتغلت، اشتغلت، اشتغلت لآخر لحظة في حياتها. و لو الطب الغربي حيقطّع في جسمها و يسرّب من روحها قبل أوانه و يمنعها عن الشغل، ما كان الشيء متوافق مع هيئة المنتهى المثالي اللي تبغى توصل لها أمي.

(أو المنتهى المثالي لستيف جوبز. فاكر؟ هو كمان اشتغل-اشتغل-اشتغل بعدين وقّف-بس-عشان-يلحق-يموت.)

و فكرت فيهن، في أمي و أُتئ، كلما أتأففت من اليوغا و مشاوير الدراجة و فرك بلاط البيت. فكرت كيف الحفاظ على اللياقة بياخذ وقت و طاقة و رضى تام بالمكتوب. و أن الحفاظ على لياقة بنية معظمها مائية زي أجسامنا - بلاش لحد المثالية، يكفي لحد ما أخلص من بلاطات الصالة - شيء يستاهل الغلبة لأجلها. مو عشان الفساتين ما يضيقوا لا تحاشياً للمرض. و لا جدالا حول عقودنا مع الوجود؛ ما هيك-هيك إحنا متواعدين مع عزرائيل لا محالة.

بس عشانه حلو لو قدرنا نستقبل السكون التام و شهادة أيدينا تنقط و تفوح منا و تؤكد علينا. عشانه حلو لو قدرنا نشتغل - نخدم الخالق و المخلوقات - إلين ما يجي ضيافة عزرائيل علينا.

و لو الشيء ديه، المنتهى البسيط اللي اتوصلت لها أٌتِئ، مش كفاية للحفاظ على سفن أرواحنا، أجل إيش بقى يستحق محاولة البقاء لأجله على وجه الأرض؟